الحلبي
293
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
أي وفي لفظ أنه رضي اللّه تعالى عنه لما نزل بذي خشب قبض النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فدخل المسلمون الذين عسكروا بالجرف إلى المدينة ، ودخل بريدة بلواء أسامة حتى أتى به إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فغرزه عنده . فلما بويع لأبي بكر رضي اللّه تعالى عنه بالخلافة أمر بريدة أن يذهب باللواء إلى بيت أسامة وأن يمضي أسامة لما أمر به . فلما مات صلى اللّه عليه وسلم ارتدت العرب ، أي فإنه لما اشتهرت وفاة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ظهر النفاق ، وقويت نفوس أهل النصرانية واليهودية ، وصارت المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية ، وارتدت طوائف من العرب وقالوا نصلي ولا ندفع الزكاة وعند ذلك كلم أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه في منع أسامة من السفر : أي قالوا له كيف يتوجه هذا الجيش إلى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة ؟ فأبى أي وقال : واللّه الذي لا إله إلا هو لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما أرد جيشا وجهه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولا حللت لواء عقده . وفي لفظ : واللّه لأن تخطفني الطير أحب إلي من أن أبدأ بشيء قبل أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . أقول : ذكر بعضهم أن أسامة رضي اللّه تعالى عنه وقف بالناس عند الخندق وقال لسيدنا عمر : ارجع إلى خليفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فاستأذنه أن يأذن لي أن أرجع بالناس ، فإن معي وجوه الناس ولا آمن على خليفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وثقله وأثقال المسلمين أن يتخطفهم المشركون ، وقالت له الأنصار رضي اللّه تعالى عنهم : فإن أبي أبو بكر إلا أن يمضي : أي الجيش فأبلغه منا السلام ، واطلب إليه أن يولي أمرنا رجلا أقدم سنا من أسامة ، فقدم عمر على أبي بكر رضي اللّه تعالى عنهما وأخبره بما قال أسامة ، فقال أبو بكر : واللّه لو تخطفني الذئاب والكلاب لم أرد قضاء قضى به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . قال عمر رضي اللّه تعالى عنه : فإن الأنصار أمروني أن أبلغك أنهم يطلبون أن تولي أمرهم رجلا أقدم سنا من أسامة ، فوثب أبو بكر وكان جالسا وأخذ بلحية عمر وقال : ثكلتك أمك وعدمتك يا بن الخطاب ، استعمله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وتأمرني أن أنزعه ، فخرج عمر إلى الناس فقال : امضوا ثكلتكم أمهاتكم ، ما لقيت اليوم بسببكم من خليفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خيرا ، هذا كلامه . وفيه أن هذا مخالف لما تقدم من صعوده صلى اللّه عليه وسلم المنبر وإنكاره على من طعن في ولاية أسامة ، إذ يبعد عدم بلوغ ذلك للأنصار رضي اللّه تعالى عنهم ، إلا أن يقال : لعل من قال لسيدنا عمر هذه المقالة جمع من الأنصار لم يكونوا سمعوا ذلك ولا بلغهم ، أو جوزوا أن الصديق رضي اللّه تعالى عنه يوافق على ذلك حيث رأى فيه المصلحة ، وسيدنا عمر رضي اللّه تعالى عنه جوّز ذلك حيث لم يتكفل بالرد عليهم بأنه صلى اللّه عليه وسلم أنكر على من طعن في ولاية أسامة رضي اللّه تعالى عنه ، فليتأمل ، واللّه أعلم .